القاضي النعمان المغربي

83

تأويل الدعائم

اللّه عليه : « من كنت مولاه فعلى مولاه » يعنى من كنت ولى مفاتحته بالبيان فعلى ولى ذلك منه من اليوم . ومن الدلائل في الإبل أنها تجمع السمن في ظهورها فتأويل ذلك أن الظهر كما ذكرنا في غير موضع ، مثله مثل الظاهر فذلك لأن النطقاء يجمعون الحكمة في ظاهر شرائعهم لأن التأويل والبيان إنما يقامان لاستخراج ما في الظاهر من مخبوء الحكمة ومستورها فيه ومما في هذه الثلاثة الأصناف من الدلائل قول اللّه جل من قائل : « وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً » فالحمولة في اللغة التي نزل القرآن بها ما يحمل عليه والفرش الصغار منها ، فالإبل تحمل عليها الأثقال وقد بينا معنى ذلك في التأويل والبقر نحرث بها الأرض فتنبت النبات وذلك مثل إثارة الأسس والحجج لعلم التأويل في دعوة الحق فينبت بذلك المؤمنون ويكثرون ، ومن ذلك قول اللّه أصدق القائلين : « إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ » وإنما كانوا امتحنوا بعد وفاة هارون بإقامة حجة يختارون على ما وصف لهم من أحواله وذلك قولهم لموسى عليه السلام لما قال لهم ذلك : « أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً » لما دعاهم إلى ذلك وليس هو مما يفعله الناس لأنفسهم ولا فعلوه لقول اللّه عز وجل أصدق القائلين : « وَما كادُوا يَفْعَلُونَ » ولكن موسى عليه السلام لما أمر بنصب يوشع بن نون إلى أن يبلغ ولى الأمر من ولد هارون وصفه بصفاته لبنى إسرائيل وأخبرهم أن اللّه عز وجل أمرهم بإقامته خليفة لهارون إلى أن يبلغ ولده ففعلوا ما أمروا به ولم يفعلوا من ذات أنفسهم كما ظنوا في أول ما خاطبهم بذلك موسى عليه السلام واستعظموه فلما وصفه لهم وعرفوه بالصفة بعد أن أخبرهم أن اللّه عز وجل أمرهم بإقامته أجابوا ذلك وسارعوا إليه وفي هذا كلام يطول شرحه ، وسوف يأتي في موضعه إن شاء اللّه ، ومما في هذه الأنعام من الدلائل أنها ذات ألبان يشربها الناس ومن ذلك قول اللّه جل من قائل : « وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ » فمثل ألبانها الخارجة من بطونها كما قال اللّه جل ذكره مثل العلم الباطن الّذي هو عند أولياء اللّه الذين جعلها دلائل عليهم وأمثالا لهم وما يكون منها لما يكون منهم ومما فيها من الأمثال أن أبوالها وأرواثها طاهرة لا تنجس ما أصابته وقد ذكرنا فيما تقدم أن مثل الروث مثل الشرك ، ومثل البول مثل الشك ولذلك كانا نجسين من غير هذه الأصناف